السيد محمد الصدر
184
تاريخ الغيبة الصغرى
الألفاظ أو النسب الكلامية ، بخلاف الرمز فإنه يكون - عادة - في الجمل التركيبية . ومن هنا يمكن أن يكتب الفرد صفحة أو عدة صفحات من الكلام ذات معان معينة ، ولكن لا يريد الكاتب أي واحد من المعاني على التحديد ، وإنما يرمز بها إلى معان أخرى ، لا يمكن التوصل إليها إلا عن طريق قرائن خاصة أو قرائن عامة متفق عليها . وهذا النحو من الرمز وجد في الكلام العربي القديم . وهو شائع في هذا العصر في الأدب ، وخاصة في مدرسة ( الشعر الحر ) . وهو الذي يفسر لنا عددا من موارد الغموض في تلك الروايات . مثاله : التعبير في الروايات بمثل قوله : تفقأ عين الدنيا أو قوله : تخرج من اليمن نار تضيء لها أعناق الإبل في بصري . فإن كل ذلك ليس على وجه الحقيقة ، وإنما هو رمز عن حوادث أو حركات تاريخية معينة لإيراد التصريح بها أو عرضها بشكل تفصيلي . ومن المؤسف أن الناس حين غفلوا عن هذا المنشأ ، حملوا مثل هذه التعبيرات على معانيها المباشرة الحقيقية . وبعدها انقسموا إلى قسمين : فهناك من الناس من يصدق بما يسمعه ويفهمه من هذه الروايات ، ويحملها على المعجزات وخوارق العادات وإن كان يجهل مناشئها ومصالحها . وهناك من الناس من هو مكذب لهذه المعاني ساخط عليها ، بل على كل روايات التنبؤ بالمستقبل . مع إن كلا المسلكين ، مما لا حاجة إلى الالتزام به . إما المسلك الأول : فلأن المعجزات لا تكون إلا بقانون - كما سبق أن عرفنا - فلا بد من تطبيق الروايات عليه ، قبل الالتزام بمضمونها جملة وتفصيلا . على إننا لا يمكن أن نحمل مضمون الرواية على المعجزة ما لم نتأكد من فهمها أولا . وقد عرفنا إنه من المحتمل - على أقل تقدير - أن يراد بها معان أخرى غير ما هو ظاهرها ، وقد يكون ذلك معنى لا يمت إلى المعجزة بصلة . ولعل استبعاد الفهم الإعجازي في عدد من الحالات ، يكون قرينة على الرمزية ، وإمكان حملها على ذلك . وأما المسلك الثاني : فهو باطل أيضا ، باعتباره منطلقا من الاعتقاد بتشويش هذه الروايات وغرابة مضامينها ، ونحن بعد أن نثبت تنظيمها وصحة مداليلها ، لا